الأمير الحسين بن بدر الدين

115

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

كانت حاسّة صحيحة فلا تخلو أن تكون مما يصلح للرؤية أو لا ؛ فإن كانت مما لا يصلح للرؤية جاز أن نراه بحواسنا التي لا تصلح للرؤية ، وإن كانت مما يصلح للرؤية فلا تخلو أن تكون مماثلة لحواسنا أو مخالفة ، وإن كانت مماثلة لحواسنا جاز أن نراه بها ، وإن كانت مخالفة لحواسنا جاز أن نراه بحواسنا أيضا ؛ لأن مخالفتها لحواسنا ليست بأزيد من اختلاف حواسنا في ذات بينها ، ومخالفته تعالى للمرئيات ليست بأزيد من اختلاف المرئيات في أنفسها ، فإنّ في حواسنا الأحول ، والأدعج ، والأشهل ، والأزرق ، وغير ذلك . وفي المرئيات المتماثل والمختلف والمتضاد ، فكان يجوز أن نراه بحواسنا ، وفي علمنا بخلاف ذلك دلالة على إبطال قول ضرار . فهذا هو الذي يدل على إبطال قولهم على التعيين ، وهو الوجه الأول . وأما الوجه الثاني : وهو في الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه وفساد قولهم على العموم فيدلّ على ذلك العقل والسمع ونحن نقتصر على السمع إذ صحته غير موقوفة على العلم بهذه المسألة « 1 » . والذي يدل على أنه تعالى لا يرى وجهان : أحدهما قول اللّه تعالى لموسى عليه السّلام : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] لمّا قال له موسى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 2 » [ الأعراف : 143 ] . ووجه الاستدلال بالآية أنّ لفظة لن موضوعة في لغة العرب لاستغراق النفي كقوله تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً [ الحج : 73 ] فهي

--> ( 1 ) خلاصة دليل العقل أنّ المرئيات لا بد أن تكون أجساما أو أعراضا ، ولا يتصور العقل رؤية غير ذلك ، وجمهور الأمة لا يتجرءون على القول بتجسيم اللّه ، ولذلك تستّر القائلون بالرؤية بقولهم : يرى بلا كيف ، وهو كلام غير مفهوم . أما المجسمة فليست لهم عقول يستحقون معها أن يناقشوا فهم والبهائم سواء بل هم أضل . واللّه أعلم وهو حسبنا . ( 2 ) ينظر في تفسير هذه الآية المغني 9 / 161 .